الموجز العربي
تطلعنا فإستطعنا

شال الجدة رقية

 

بقلم: أماني عز الدين

 

حين دخل الغرفة لأول مرة منذ ذلك اليوم، للوهلة الأولى وجد كل شيء في مكانه كما اعتادت أن تراه عيناه. لكن تلك المرة كان هناك شيء مختلف.. شيء جعل قلبه يرتجف ألما، إنها الرهبة من الحزن الذي قد خيم على المكان.

كل شيء كما كان إلا هي فقط، لم تكن جالسة كعادتها على مقعدها العتيق المقابل للنافذة.. كان المقعد خالي إلا من شالها الصوفي.

هنا وعلى هذا المقعد كانت تقضي معظم ساعات النهار فقد كان مكانها المفضل، دوما تجلس عليه وتتطلع عبر النافذة الكبيرة إلى الخارج.

هنا عاشت حياتها الهادئة خلف النافذة وكأنها آخر ما تبقى لها ليربطها بالعالم الخارجي تجلس مكتفية بتلك الزاوية تقضي فيها أغلب أوقاتها متكئة علي عصاها ذات المقبض العاجي التي تركها لها زوجها وباتت تتكئ عليها كما كانت دوما تستند عليه.

قد يرحل الأشخاص ولكن يبقي عبق منهم في أشيائهم البسيطة يجعلنا نستمد منه ما نحتاج من قوة روحية تعيننا على الاستمرار.

العجيب في الأمر أن تلك النافذة لم تكن تطل على ميدان حيوي مثلا حتى نقول إنها كانت تتلهي بالمارة والسيارات، ولكنها كانت تطل على مشهد ثابت، شجرة عالية ذات أغصان متشابكة تزهر في الربيع، فقط في الربيع أما باقي أشهر السنة كانت تتجرد من أوراقها الواحدة تلو الأخرى وكانت هي كمن يراقب تساقط تلك الأوراق بصمت وبنظرة عميقة متفحصة وكأنها تنتظر سقوط ورقة بعينها.

دخل مروان إلى غرفتها إلى عالم جدته رقية تلك السيدة التي كان يراها دوما قوية صامدة كصمود الجبال، حتى خيل إليه أن الأقدار تقف على أعتابها معتذرة دائما، لا تستطيع سلب شيء قد منحته لها ذات يوم وكأنها كانت محصنة من كل شرور الدنيا.

إنها أشبه بحصن منيع، ملجأ للكثيرين، قادرة على أن تحتويهم علي ضعفهم.

حتى حين تملك منها الكبر وداهمها المرض واكتسى وجهها وكفاها بالتجاعيد ظلت علي قوتها لم يعتريها أي ضعف.

كانت الأمن والأمان متمثلين في صورة بشر، هكذا كان يراها هو وكل من حولها، إنسانه بدرجة سوبر مان.

امرأة حديدية قادرة على صنع المعجزات.

حتى بعد أن تقدم بها العمر ظلت ملجأ من لا ملجأ له.

جلس على مقعدها الخالي بعد أن امسك بشالها الصوفي، كانت هنا منذ أيام تجلس تتدثر به، وكان هو كعادته جالس بالقرب منها يستمع إلى حكاياتها القديمة التي لم يكن أبدا يمل منها مهما إعادتها على مسمعيه وكلما اشتد الصقيع وداهمة الشعور بالبرد يدنو منها أكثر فتلقي عليه بطرف شالها وكأن لهذا النسيج الصوفي، سحر خاص، قدرة غير عادية علي منحه مبتغاة من الدفء قادر على أن يبدد إحساس الصقيع مهما اشتد به.

قرب الشال من وجهه يشتم رائحته، وجده لا زال ممزوج بعطرها المميز الأخاذ.

جلس علي مقعدها وبيده الشال الصوفي لكن شيء غريب يشعر به، شيء اشبه برعشه باردة اصابته لحظة ان لامسه بيديه، لم يمنحه الدفء المعتاد لكنه وعلي العكس سلب منه دفء روحه، في تلك المرة كانت روحه هي من يفتقد الدفيء لا جسده. مر بخاطره اسئلة عدة لا تحمل أي جواب.

هل حقا اننا نعطي جزء من روحنا لأشيائنا الخاصة وحين تسلب منا الروح تنتزع من كل ما كانت تلامسه أناملنا؟!!

أمر غريب هل كان شالها هو من يمنحها الدفء ؟! ام انها هي من كانت تمنحة الدفء والحياه معا ؟!!
عند مرحلة معينة لا نكون قادرين علي إيجاد مسمي لها، يتوافق مع ما نشعر به لكنها غالبا ترتبط بمشاعرنا
وتكون تلك المرحلة علي الأغلب لحظة فقد عزيز، تتزاحم علينا الافكار لتعيد الي ذاكرتتا كل من سبق وودعناه لنعيد وداعه من جديد، وكأنه لا يكفي وداع عزيز واحد.

ها هو يتذكر حضن امه الذي لم يشبع منه كثيرا فقد تركته صغيرا ورحلت مسرعة الي عالم أفضل، وتركته امانة عند الجدة رقية، هي من قامت علي تربيته وعاش في كنفها، حتي اصبح طبيبا يشار إليه بالبنان.

لكنه ظل يفتقد شيء لا يعرفة والان يتجدد به نفس الشعور بالفقد.

كان حضن الجدة هو الملاذ الآمن بالنسبة له، وها هو يفقد ملاذه.
تساقطت منه بعض الدمعات التي بللت الشال الصوفي ازالها بعفوية فقد خشي ان يفقد عبق جدته حين تختلط دموعة بعبيرها.

تمتم لها بالفاتحة واهداها لروحها وهمس انت ملاذ لخافقي يا خالفي ومولاي.

وغادر الغرفة واغلق بابها حاملا بين يدية شال الجدة رقية، فهو من اليوم انيسة في وحدته.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.