الموجز العربي
تطلعنا فإستطعنا

شيرين عادل الديب تكتب: ثقافة الإختلاف

حين يشاء الله أن يجود علينا بكرمه وعظيم صنعه وفضله ويكرمنا بعقل راجح فطن ذو حكمة، يحترم الآخرين ويتأدب معهم في النقاش والحوار؛ نشكره ونحمده على هذه النعم وعلى عطاءه الفياض ملء السماوات والأرض وعلى نعمة التفرقة بين الصواب والخطأ ونعمة التقبُل، تقبُل الآخر بأفكاره ومعتقداته والإصغاء له باهتمام حتى لو اختلف معنا في الرأي.
حدثتني صديقتي بمبدئها عن ثقافة الاختلاف فقالت لي “أنا أسمع لكل الناس بكامل الاهتمام، وآخذ ما يناسبني من أفكار تتناسب مع مجتمعي وبيئتي وأيضًا أتعلم، فليست أفكاري قاعدة مُسلم بها، فقد نشأنا على الاختلاف، فهو سُنة كونية ويجب أن نتقبله”
وحقًا هذا المبدأ أفادها كثيرًا، وحاولت أن أتعلم مثلها ممن حولي وأن أنصت لهم جيدًا، فلماذا خلق الله لنا أذنين ولسان واحد، فهو والله لخلق عظيم من العلي القدير.
فإن الحوار القائم بين اثنين ليس حوار عمن صواب ومن خطأ، ولكنه حوار عقلي يبين اختلاف الآراء، فالاختلاف موجود دائمًا ومن الطبيعي أن نختلف في وجهات النظر، فهو يدل على تنوع الآراء والثقافات، وأن كم الاستفادة منه عظيم، ولكن ليس من الطبيعي أن يتحول هذا الاختلاف الي خلاف، فإن قراراتنا وآرائنا ما هي إلا نتاج لمعتقداتنا وعاداتنا التربوية والبيئية التي نشأنا بها وتجاربنا الخاصة ومستوى الوعي والثقافة لدينا، فبالتالي هي تحمل الخطأ والصواب.
وهنا فإن المبدأ الحواري وثقافة الاختلاف يقومان على شرطان هامان وهما: الإصغاء للطرف الآخر باهتمام، والثقة به.
وقد يتساءل البعض، كيف لي أن أثق في الطرف الأخر؟ والإجابة هنا ترجع لك ولثقتك في نفسك؛ فكلما وثقت في نفسك وفي آرائك؛ لاستمعت بجدية وإصغاء للطرف الأخر وأخذت رأيه بعين الاعتبار؛ فبالحوار وتجاذب أطراف الحديث تُخلق تلك الثقة المتبادلة بين الطرفين، والتي ينتج عنها حوار محمود مثمر وراقي.
ومن أدآب الاختلاف في عهد الصحابة، ما أخرجه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: (لا يُصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة)، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، أي ديار بني قريظة، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد مِنا ذلك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعنِّف واحدًا منهم.
فإن كلًّا الفريقين من الصحابة اجتهد فأصاب، فالذين أخروا صلاة العصر حتى وصلوا إلى بني قريظة، تمسَّكوا بظاهر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، والذين صلَّوا العصر في وقتها نظروا إلى المعنى المقصود، وهو الإسراع في السير لا حقيقة اللفظ، ولذلك لم يعنِّف النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من الفريقين؛ لأنهم مجتهدون، وبالتالي فلا لوم ولا تعنيف للمجتهد فيما فعَله باجتهاده إذا بذَلُ وسعَه، وكان مؤهلًا لهذا النوع من الاجتهاد.
وأهم شيء في ثقافة الاختلاف هو أنت، أن تستمع لنفسك قبل الأخر، لذاتك لأفكارك لقوتك، فالمعرفة النفسية ضرورية للجميع حتى ينشأ مجتمع متعاون ومستوعب لفكرة الاختلاف وتقبل الآراء، فيجب محاربة الأنا والتعصب لفكر معين فقط، وتنمية تلك الثقافة والتحلي بأدآبها، لأنها تفتح لنا أفاق جديدة وتنمي فكرنا، لأن أعقل الناس من جمع إلى عقله عقول الناس.
يقول يونس الصدفي: “ما رأيتُ أعقل مِن الشافعي؛ ناظرتُه يومًا في مسألة تم افترقنا، ولقيتُه فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتَّفق في مسألة، قال الذهبي: هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفِقه نفسه، فما زال النُّظراءُ يختلفون”
استمع وتعلم وارتقِ.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.