الموجز العربي
تطلعنا فإستطعنا

مصطفى زكي يكتب: أي جرأة.. وأي تبجح؟!

 

قبل أن يختتم ستيفن هوكينج كتابه “تاريخ موجز للزمان” الذي أنجزه قبل خمسة وثلاثين عامًا، وفي الفصل التاسع منه تحت عنوان “سهم الزمان”، كتب عالم الفيزياء الإنجليزي الأشهر: “من الأمور الصعبة نوعًا.. التحدث عن الذاكرة البشرية؛ لأننا لا نعرف كيف يعمل المخ بالتفصيل”، وهو الكتاب نفسه الذي استهل كارل ساجان مقدمة طبعته الأولى بقوله: “إننا نمضي في حياتنا اليومية ونحن لا نكاد نفهم شيئًا عن العالم؛ فنحن لا نفكر إلا قليلًا في آليات النظام الذي يولّد ضوء الشمس الذي يجعل الحياة ممكنة.. أو الجاذبية التي تلصقنا بأرض لولا ذلك لكانت سترسلنا لندور ملتفين حول الفضاء”.

 

بدأ ساجان بالحديث عن تساؤلات طرحها وحاول الإجابة عنها عبر التاريخ البشري قليلون ـ عددًا ـ لاقوا جزاء محاولاتٍ حثيثةٍ لإعمال العقل البشري في تفسير آليات النظام الكوني.. حرقًا، أو عزلًا.. أو تكفيرًا؛ لينتهي هوكينج إلى صعوبة التحدث عن الذاكرة البشرية في سنتيمترات من الخلايا في المخ لا نعرف آلية عملها تفصيلًا.. وبين هذا وذاك ـ الكون وسنتيمترات خلايا المخ ـ اجتهد هوكينج لتبسيط تساؤلات، ومحاولات للإجابة عبر التاريخ علها تسكن ذاكرةً أقر بصعوبة التحدث عنها.

 

فمحاولة رصد آلية عمل الذاكرة البشرية ـ إذن ـ أكثر تعقيدًا وإلغازًا من محاولة رصد ظواهر الكون اللامتناهي زمانًا ومكانًا.. وذاكرتنا ـ فيما يخص “الأحداث” والمصيري منهًا تحديدًا ـ تحتفظ بما تريد وتقذف ما تريد خارج حدود الكون المدرك وغير المدرك دون إرادة منا ـ نحن البشر ـ أو قدرة على التدخل في تنظيم عملها.

 

و”الحدث”، بحسب ما ذكر هوكينج في الكتاب نفسه، “هو شيء عند نقطة معينة في المكان، وعند زمن معين”.. وعلى هذا لو تلاشت قدراتنا على الاحتفاظ في ذاكرتنا بالمكان أو الزمان.. أو ربط أحدهما بالآخر فيما يخص الحدث، لصار الحدث في عالمنا كأن لم يكن.. ذلك فيما يتعلق بقدراتنا البشرية العادية التي لا نستطيع معها تفسير ما تقذف به ذاكرتنا إلى حيث لا عودة دون تدخل منا.. أو تبرير.

فماذا ـ إذن ـ لو افتقدنا إراديًا، وبإصرار وحماسٍ مريبين، قدرتنا على احتمال الزمان والمكان.. أو أحدهما.. ورفضنا ـ قاصدين ـ أي محاولة ضالة للربط بينهما؟!

ماذا لو تمسكنا ـ بإرادة معجزة ـ بأن نلقي الحدث.. أي حدث.. تحت أقدامنا لتذروه الرياح، مدعين أننا نتطلع إلى مستقبل أفضل؟!

ماذا إذن لو هجرنا ـ عامدين ـ الماضي والحاضر بأحداثهما المتكررة حد الرتابة، دون أن تحتل أحداثهما المصيرية قيد أنملة من ذاكرتنا إدراكًا واعيًا؟!

من أين لنا بجرأة ـ أو تبجح ـ الحديث عن مستقبلٍ، أو أن نحلم به، وقد هجرنا إرهاصاته القريبة المنظورة وغير المنظورة إلى حين.. واهمين.. فهجرتنا كل الأحايين؟!!

إن أول إرهاصات استشراف المستقبل يا سادة.. أن نحتفظ بأحداث.. أو واحد منها ـ وهو أضعف الإيمان ـ ولو كان موجعًا.. من أمسٍ قريب أو حاضرٍ مريب؛ لنستطلع نقطة ضوء.. إن وُجدت.. في غدٍ كثيف الغيوم.. أو لنخلع عن ذاكرتنا وأرواحنا وضمائرنا ثِقل الزمان والمكان، بأحداثهما.. المصيري منها وغير المصيري، ونغط مرتاحين مريحين في سبات عميق هو الأجدر بذاكرةٍ نفضنا عنها ما تيسر من آلام.. فنفضت عن أفقنا ما تعسر من آمال.

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. الطيب عبدالناصر شوشة يقول

    صدقت يامصطفى، لابد من ذلك .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.